أحمد مصطفى المراغي
105
تفسير المراغي
وهذه إحدى معجزاته صلى اللّه عليه وسلم لأنه أخبر عن الغيب ووقع كما أخبر . ولما قال المشركون لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ( إنك لفى ضلال مبين ) نزل قوله تعالى : ( قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) أي قل لمن خالفك وكذّبك من قومك المشركين ومن تبعهم : ربى أعلم بالمهتدي منى ومنكم ، وستعلمون من تكون له عاقبة الدار ، ومن تكون له الغلبة والنصرة في الدنيا والآخرة . ثم ذكّره سبحانه نعمه ، ونهاه عن معاونة المشركين ومظاهرتهم فقال : ( وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ) أي وما كنت أيها الرسول ترجو أن ينزل عليك القرآن ، فتعلم أخبار الماضين من قبلك ، وما سيحدث من بعدك وما فيه من تشريع ، فيه سعادة البشر في معاشهم ومعادهم ؛ وآداب هي منتهى ما تسمو إليه نفوسهم وتطمح إليها عقولهم ؛ ثم تتلو ذلك على قومك ، ولكن ربك رحمك فأنزله عليك . ثم بين ما يجب أن يعمله كفاء هذه النعم المتظاهرة فقال : ( فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ ) أي فاحمد ربك على ما أنعم به عليك بإنزاله الكتاب إليك ؛ ولا تكونن عونا لمن كفروا به ؛ ولكن فارقهم ونابذهم . ثم شدد عزمه وقواه بألا يأبه بمخالفتهم فقال : ( وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ ) أي ولا تبال بهم ؛ ولا تهتم بمخالفتهم لك ؛ وصدهم الناس عن طريقتك ، فإن اللّه معك ومؤيدك ؛ ومظهر ما أرسلك به على سائر الأديان . ثم أمره أن يصدع بالدعوة ؛ ولا يألو جهدا في تبليغ الرسالة فقال : ( وَادْعُ إِلى رَبِّكَ ) أي وبلغ رسالة ربك إلى من أرسلك إليهم ؛ واعبده وحده لا شريك له .